|
سياسية-
اجتماعية- ثقافية
تصدر عن منظمة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سوريا
|
|
|
|
| الصفحة الرئيسة |
مثل كل المخيمات
إنه اليرموك
أيهم السهلي
يبقى الفلسطيني هو الفلسطيني، ضمير لطخته الآلام المستمرة بالوجع اللامنتهي من ضيق المنفى رغم اتساع جغرافيته، الفلسطيني يبتسم في وجه صاحبه ينظر للشمس متأملاً فيها تراب البيارة وعصرة البرتقال في ثغر رؤيا البوح الذي ما زال متماسكاً على حد السكين التي تحز عنق الذاكرة..
هذا الفلسطيني يرتدي رداءه في الصباح كالبشر غير الاستثنائيين لا بالقضية ولا بالدم ولا بالوجع المرتبط بحالة. باتت مزمنة، يعقد الهمة للخروج منذ صباحه ليجول في أزقة مخيمه متوجهاً نحو دكانه أو وظيفته أو عتالته.. المخيم جدرانه مرتفعة، على غير عادة المخيمات.. التي تتلى عليها في الليالي آيات ذكر اليتامى ليستيقظ الأهالي والمجارير قد أغلقت فوهاتها وطمرت روائحها داخلها كالنرجس الذي غرق في البحيرة متباه بجمال طلعته، وحواريها التي تشي للميت بإجراء حمية قبل موته كيلا يربك حاملي نعشه أثناء أخذه إلى التراب.
مخيم اليوم ليس ككل المخيمات إنه متطاول أرضاً وجواً فيه سوق تباع فيه الخضار والفواكه ناضجة وطازجة وكذلك قذرة ومتعفنة لكل حسبما ما لديه، فأهل هذا المخيم أيضاً متطاولون أرضاً وجواً وربما تحت الأرض مستعمرون.. مخيم يستفيض إسفلته بشرح سير الشهداء الذين عبروه واحداً واحداً نحو الموت.. نحو ما كان يسميه الفلسطينيون معركة التحرير.. إنه مخيم اليرموك القابع وسط فوضى الازدحام السياسي.. إنها ذاتها التي حولت الخيام من بيوت توتياء إلى بيتون وأخيراً إلى أشلاء بقاء.. وفي كل شكل تحوله المخيم كانت النفوس تتحول وتأخذ أشكالاً جديدة كأن وحياً مريضاً كان ينشر سعاله على الفلسطينيين فيصابون بالمرض أكثر وأكثر حيث الدواء مبتور مثل الرصاص الذي أسقط أحلاماً كثيرة.. كان أبسطها أن تقطف جدة فلسطينية لحفيدها ثمرة برتقال من بيارة الجد.. حلم الفلسطيني بالبقاء صار كما حلم ميت بالموت.. فهو موجود داخل بيته المرتب حسبما ارتأت النقائض كافة.. ها هنا صورة أخ له شهيد وفي غرفة ابنه صورة وطن منسي متجل بالمغني الجديد أو بمناضل سكب عمره من أجل وطن قد يعود أولا يعود.. صراع الأضداد هو الأبقى داخل بيوت المخيم.. هو الأقدر على الاستمرار فالجد يتكلم عن الأرض والعودة وابنه يستمع ويتحسر على حسرة أبيه والحفيد يقول في نفسه كان هناك وطن صار الآن ذكرى جميلة أحلم بها على مهلي.. أشكلها كما أريد وكما يريد يومي الحديث.. إنه المخيم الأعقد.. سلسلة لا تنتهي من الوجوه الحزينة الواقفة على أبواب البيوت.. صبية تحاول قراءة وجهها قبل 60 عاماً حفروا في وجهها ظلال مجزرة هجرت إثرها عن بيتها وربما أمها التي بعج بطنها بسكين مسمومة بكراهية الدم الفلسطيني، مثلها شاب هو زوجها يتساوى أنفه وفمه في نفث دخان الألم والحرقة على دابته التي كانت تحمله نحو المدينة لبيع ما قدرته السماء لأرضه ولمعوله الذي نحت في التربة شكل الخارطة المرسومة في عروقه داخل جسده..
إنه المخيم.. مخيم اليرموك صوت يغترف الحزن من مآقي فلسطين.. والدم الهادر بين خلجاتها.