سياسية- اجتماعية- ثقافية
تصدر عن منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سوريا
المــــخــــيــــم
الصفحة الرئيسة    

الصحافة الفلسطينية.. أمام مقص القارئ

محمد ابوشريفة

 

هل هناك حقا صحافة فلسطينية؟ أم أن الأمر لا يتعدى كونه دعاية إعلامية ومنشور حزبي؟ وهل للصحافة الفلسطينية سمات مميزة تجعلها ذات خصوصية معينة؟

الهدف من طرح هكذا أسئلة كمنطلق أولي هو الوقوف أمام حقيقة ومهمة ووظيفة الإعلام الفلسطيني المكتوب والذي يطلق عليه مجازا صحافة.

فالمطلع على حقيقة الأمر يرى أن الصحافة الفلسطينية وبالتحديد المجلات السياسية لم تتطور منذ انطلاقتها إلى اليوم. والأسباب كثيرة ومتعددة أبرزها يتعلق بطبيعة الوظيفة والدور الملقى على عاتق تلك المجلات فالوظيفة الأساس المرسومة لها بفعل «القرار السياسي» هي تقديم صورة غير واقعية عن حقيقة الفعل السياسي داخل الأطر الحزبية التي تنتمي إليها تلك المجلات، وهنا تغيب المهنية والحرفية والاستقلالية في صناعة الإعلام الحر، فجميعنا يعلم أن هذه المجلات الأسبوعية والشهرية ... الخ ، مرتبة وفق متطلبات الهرمية القيادية لدى هذا الفصيل أو ذاك. فأخبار الأمين العام وبعده نائب الأمين العام، وبعدهما أعضاء المكتب السياسي ولمجاملات قادة الساحات والأقاليم « حتى لا يعتب احد على أحد أو يغضب أحد من الآخر». وفي الركن الأخير القسم الثقافي الذي لا يعكس بالضرورة حالة الوضع الثقافي المتردي الذي وصل إليه المجتمع الفلسطيني، هذا الكلام ليس للسخرية بقدر ما هو وصف لطبيعة ما يجري، ومع مرور السنوات تحولت تلك المجلات إلى فعل كمّي لا نوعي، فإذا ما غاب رئيس التحرير أو أعفي من منصبه وجئ بآخر فالقوالب النمطية هي هي لا تتغير.

فالغاية هي الحفاظ على صوت الفصيل حتى لوكان «متوفىً » منذ فترة ليست بقريبة، وتوزع كما يوزع المنشور والقارئ «إن وجد» إما أن يكون قارئ نقدي أو قارئ تلزمه التعليمات الحزبية فعل القراءة.

مع هذا الوصف تبقى الصحافة الفلسطينية الناطقة بلسان الحال الفلسطيني وكذلك المشهد السياسي الفلسطيني، أما المساحات المستغلة في الكتابة داخلها فيأتي للضرورة الحزبية وذلك للتأكيد على أن هذه الصحافة تهتم بالآخر الذي هو خارج إطار الحزب، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الكتابة تتقاطع مع رؤية هذا الفصيل أو ذاك.

من نافل القول أن المشهد ثقيل لكنه واقع يعيد إنتاج نفسه منذ سنوات طويلة وأحلام التغيير والتطوير تبقى حبيسة الأدراج، هذا إذا كان هناك نية حقيقية لهذا التطوير.

في هذا التحقيق استطلعنا آراء مجموعة من شباب مخيم اليرموك لنرى مدى تأثير تلك المجلات على بلورة وعيهم السياسي والثقافي ..

سامر خروبي (صحفي ومدير تحرير موقع الكتروني ) يرى أن هذه المجلات قد أكل عليها الدهر وشرب، ولأسباب متعددة ذاتية وموضوعية فالذاتية هي أسباب تتعلق بجمود اللغة السياسية التي تخطها مقالات تلك المجلات أما الموضوعية فتتعلق بالتنوع الواسع الذي أحدثته وسائل الإعلام وبالتحديد الفضائيات التلفزيونية فقد أسهمت إلى حد بعيد في تقديم صورة الواقع الفلسطيني والعربي وعلى مختلف المستويات مما جعل من الصحافة الفلسطينية أمام تحد لا قبل لها في مواجهته.

ريما فواز « محررة صحفية في موقع الكتروني» تقول إن المقارنة ما بين ما وصلت إليه بعض الصحافة العربية والفلسطينية يجعل من الصحف الفلسطينية محط نقد كبير، فالصحافة في بعض البلدان العربية تقدمت بشكل مذهل في آلياتها الحرفية والمهنية والمساحات الواسعة من الحرية التي توفرها لكتابها في حين أن الصحافة الفلسطينية ما تزال صحافة حزبية جامدة وغير نقدية ومساحات الحرية فيها ضيقة ولا تتعدى حدود المسموح به مسبقا .. ريما استبشرت خيرا بدخول الصحافة الفلسطينية مجال المواقع الإخبارية عبر الانترنت إلا أن هذا الدخول جاء ضمن المنطلقات ذاتها فأصبح الموقع الالكتروني امتداداً فعلياً وصورة طبق الأصل عن الصحافة المكتوبة .

حسان محمد (أعمال حرة) منذ فترة طويلة يقول بأنه لم يقرأ تلك المجلات ولم يتصفحها لأسباب كثيرة وأهمها أن هذه المجلات بالنسبة له أصبحت منفرة ولا تعبر عن رأيه ورأي المحيطين به وأخبارها قديمة ومتأخرة ومواضيعها جافة ومكررة في بعض الأحيان. في حين أنه يجد في المجلات الترفيهية والتسلية منفعة له ولأولاده أكثر من المجلات الفلسطينية.

بعضهم سئل عن رأيه ولم يرفض الإجابة لكنه تساءل عن وجود تلك المجلات فهو لم يقرأها ولم يسمع بها ولم يطلع عليها، وقد يكون السبب بأن تلك المجلات لا توزع بالطريقة التي تتبعها المجلات الأخرى.

فراس العاصي(إعلامي) استخدم تعابير مختلفة ومفاهيم في قراءته لتلك المجلات وكل هذه التعابير والمفاهيم تصب في حقيقة أن تلك المجلات بشكل أو بآخر استنفدت وظيفتها ودورها منذ أمد بعيد فنعتها بالصحافة الخشبية المتصلبة لقياداتها وأنها لاتمت بصلة إلى الواقع السياسي الفلسطيني منذ أن تحولت المقاومة الفلسطينية من فعل مسلح إلى فعل لغوي. ونوه إلى أن  عدم وجود صحفيين حرفيين فيها وعدم امتلاكها لسياسة تمويلية تسويقية وتقنية فنية واضحة جعلها في حكم الغائب. ويتمنى فراس استمرار هذه المجلات ولكن بأسلوب حديث ومتطور بمعنى أن تكون للكل الفلسطيني وليست للحزب أو الفصيل فقط لا غير.

الغريب أن الآراء التي سألناها عن حال الصحافة الفلسطينية وتعبيراتها –المجلات- كانت آراء نقدية أقرب إلى القراءة السلبية منها إلى القراءة الموضوعية التي تحلل الوقائع وفق رؤية علمية، فلهذه المجلات ما لها وما عليها ولكن القراءة السلبية وحدها لا تكفي، وقد يقول العاملون في هذه المجلات إن هذه القراءة ظالمة إلا أنهم في حقيقة أنفسهم يدركون أن الزمن قد تطور في حين أن صحافتهم ما زالت أسيرة القوالب النمطية الجاهزة والعابرة للأزمنة ولمتغيرات الوقائع التاريخية التي طرأت على مهنة الصحافة وعلى المشهد السياسي الفلسطيني، ويبقى القول هنا هل تبقى الصحافة الفلسطينية أسيرة منطق البيان الحزبي أم أنها بعد أكثر من نصف قرن على قيامها ستخطو إلى الأمام؟