|
سياسية-
اجتماعية- ثقافية
تصدر عن منظمة
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سوريا
|
|
|
|
| الصفحة الرئيسة |
..عن المخيم..عن المثقفين والمتثافقين/أيهم السهلي |
..عن المخيم..عن المثقفين والمتثافقين
ـ الأول: «ستالين كان على حق، ما فعله هو الضمانة الحقيقية للاستمرار، لبناء الدولة»
ـ الثاني: «لا أنت على خطأ، تروتسكي هو الصح، هو الثورة، هو الوريث الحقيقي لـ لينين»
ـ الأول: «على سيرة لينين لاحظت بالمهرجان التحول بخطاب القائد اليساري المعروف، كأنه يميل إلى الطرف الآخر»
ـ الثاني: «انتبهت، يا حرام شو صار بماركسيين هالأيام، مش هدول ورثة لينين، بس اسمع يمكن هي دبلوماسية، صحيح قريت رواية كيف سقينا الفولاذ؟»
ـ الأول: «لا والله بعدني، لأني بقرأ كتاب ما العمل»
وما العمل؟..
لا أحاول كتابة مسرحية أبدا، إنما هذا حوار غير مفترض، بل حقيقي لشابين من مخيمنا العظيم، والشابان وللأسف طبعا هما وفق ما أوردت من حوارهما, لسان حال الكثيرين من شباننا.
يأتي «أبو حميد» من الشارع إلى المكتب بفعل فاعل طبعا، ضمن خطة التوسع للشبيبة الفلانية التابعة لإحدى فصائلنا التي نعتز، والتي يتهافت الرفاق في المحاولات لإقناع من يجدوا من أصدقائهم لدعوتهم إلى الشبيبة تنفيذا للخطة ذات «البرنامج» المعد سواء بأسلوب ترغيب الشباب أو بتأهيلهم أو، أو..... وحدثوا ولا حرج، وكلنا «ولاد فصائل وعارفين حارتنا كويس».
المشكلة تبدأ من لحظة دخول الرفيق الجديد إلى المكتب، تراه مشدوها بالنظر والاستماع لكل ما يقال، مستغربا ومتسائلا عما يجري هنا، الكل هنا مثقف وله القدرة على الكلام وإذ بالرفيقة تصل وتسلم على الرفاق والرفيقات والأصدقاء والصديقات المتواجدين، وتتعرف بالرفيق الجديد، وإذ البعض يدخل في حوار جديد، والكل يشارك، من يعرف ومن لا يعرف، من يقرأ ومن لا يقرأ ومن يدعي أنه يقرأ. والجديد الذي يستمع لكلام ربما لم يسمع به من قبل، يجد نفسه مضطرا للكلام بعد أيام من التواجد في المكتب والإثبات أنه أيضا يفهم ولا يقل معرفة عنهم، وتعود سلسلة الجديد لترتبط بالقدامى ويتراكم المتثاقفون ويزدادون وما أحلى مكاتبنا بل مخيمنا، بل لقاءات الجامعة والمتثاقفون يفكرون يتهامسون في شؤون.... كل شيء، لأنه من العيب أن يقول إنه لا يعرف، أو أنه لم يقرأ الكتاب الفلاني، وإن حدث وقال إنه لم يقرأه فإنه يناقش بآراء الكتاب التي تلقفها من هنا وهناك.
لست سوداويا لأقول أو تقولون عني، إني أعمم وأقول كلهم كذلك، لا، لكن كلنا يعرف أن الحالة الإجمالية في مخيمنا وسط الشباب وبالذات رفاقنا تعاني من مرض الثقافة، ليس لأنها مرضا، بل لأنهم متثاقفون، يرون أن الأمور سهلة جدا، فبوسع أحدهم أن يجادل ويبدي رأيه، وثمة من يجادله في رأيه ممن هو مثله، متثاقف، والمصيبة إذا ما وقع مع مثقف يتعب على نفسه، مثابر على القراءة، مثابر على الثقاقة، وعلى تكوين الرأي بعد الاطلاع، وتبنى ستالين أو تروتسكي أو القضية الفلسطينية بعد قراءتهم وقراءة ما يتعلق بهم.
لا أتكلم عن مستحيلات، كل ما أطلبه هو أن يكون واحدنا حقيقي مع نفسه أولا، وبعد ذلك قُبل صديقا مرغوبا به في قرع الكأس أم لم يُقبل فهذا ليس بالأمر المهم، إذا ما قورن بحضور مهرجان السينما عن حب حقيقي للسينما، لا مظهرا من مظاهر التثاقف.
لا أعتقد أن شاعرا كبيرا مثل المتنبي أقل أهمية من شاعر كبير مثل محمود درويش، ولا أعتقد أن أحدا ما سيختلف معي حول هذا الاعتقاد بعيدا عما قد نختلف بشؤون لها علاقة في الحداثة الشعرية وسواها، لدى رفاقنا صار المتنبي شاعرا في المناهج المدرسية فقط، أو ربما ضد الحداثة التي ما زالت عنا بعيدة، أما شاعرنا الكبير محمود درويش الذي نعتز أننا وإياه من طينة فلسطينية واحدة، وأنه الشاعر الأهم الآن في العالم، فقد تحول لما يشبه التقليد، لا بد من حفظ شيء من «مديح الظل العالي» ومن بعض القصائد الأخرى مثلا «أنا يوسف يا أبي»، أجدني أمام أسفين، الأول أن (مثقفينا) المتثاقفين حولوا المتنبي إلى شاعر بالاسم يعرفونه، وهل من اللائق أن يدعي أحد أنه مثقف ولا يكون المتنبي على رأس ما قرأ من الشعر العربي؟ ولا أبالغ إذ أقول على رأس ما يحفظ، ولا ألام في قولي بأن أحدا ما ممن أتحدث عنهم لا يحب الشعر، لم يصل هذا الأحد في عصرنا العربي إلى زمن المثقف المتخصص فقط في مجاله. أما عن أسفي الثاني فهو أن (مثقفينا) المتثاقفين قد استطاعوا مرة أخرى أن يحولوا شاعرنا الكبير محمود درويش إلى مجرد ضرورة لا بد منها لكي يكون صاحبنا مثقفا.. وهذا ما ينطبق على الكثير الكثير من مجالات الثقافة، وكم مضحك ومبكي أن هؤلاء في غالبيتهم يكتبون الشعر، ولا أتجنى على أحد، فأكثرهم لا يعرفون بكتاب أدونيس «مقدمة للشعر العربي»، ولم يسمعوا بالجرجاني، ولم يقرأ واحدهم كتابا نقديا واحدا. أليس للشعر نقد وأساليب؟ أم أنه حالة تأتي من الفراغ فقط كما يتشدق البعض دون خجل. والغريب أن أحدهم لا يجرؤ على القول إنه يكتب الرواية أو حتى القصة القصيرة، ربما لأنها لا تظهره سريعا بين الشلة، ولأنها تحتاج لوقت من العمل الدؤوب.
ولأثبت حسن النية، وأني لست سوداويا كما بدا في السياق، ولا أطلق تعميمات ومطلقات، فللأمانة لا بد من ذكر تجارب من مخيمنا ذاته نجحت في إيصال صوتها وتعبيرها عن همها الوطني والثقافي، سواء في الأدب أو في عالم الصحافة أو الفنون. مع الإشارة إلى تدني نسبة أولئك إلى هؤلاء.. لكن البذرة الطيبة ولو كانت في مستنقع، ستزهر نبتا ما.
ولعل نضالنا الحقيقي في الشتات كحالات شابة، يتجلى بأن نصلي للوطن الضائع في محراب الكتاب وعدسة السينما وخشبة المسرح ولوحة الرسم وورقة الصحيفة وقصيدة الشعر وسطور القصة والرواية، كي لا ننسى أن المخيم درع مؤقت لشعب دائم الحياة نحو العودة إلى الوطن.