سياسية- اجتماعية- ثقافية
تصدر عن منظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سوريا
المــــخــــيــــم
الصفحة الرئيسة   صباحكِ أحلى مع فنجان من القهوة/ مروة السمرة

صباحكِ أحلى مع فنجان من القهوة:

الصحبة وطقوس الفضفضة

 

أستيقظ صباحاً وأحمد الله وأفتح عيني على صوت أحد أولادي يناديني.. وأما الأم الثانية فهي تفتح عينيها لتجد زوجها بجانبها ينتظرها لتحضر له فنجان القهوة. هذالسان حال إحدى النساء، وأخرى تفتح عينيها على صوت المنبه لتبدأ المسيرة الصباحية، وها هي التي تفتح عينيها لأنها اكتفت من النوم وتريد أن تدخل المطبخ لتبدأ حياتها اليومية.

ولكن إذا سألنا إحداهن: ماذا تتمنين أن تجدي أمامك عندما تفتحي عينيكِ؟ تقول: أتمنى أن أرى فنجان القهوة أمامي وأنا على السرير لأصحو واستمتع، ثم ابدأ بالأعمال المنزلية الشاقة. ونسأل: ماذا يعني لك فنجان القهوة الصباحية؟ تكون اجابة مرتبطة بالصحبة وطقوس الفضفضة..

وفي إحدى الدوائر الحكومية التقيت بوعد التي قالت: أنا محرومة من فنجان القهوة في المنزل ومن تلك الجلسات الصباحية كوني موظفة وفي دوامي تصنع الفتيات المتة، وهي الأكثر طلباً لديهن. فكأس من المتة يوازي فنجان من القهوة وهي بالنهاية جلسة صباحية مع القهوة أو المتة، حيث نتبادل الأحاديث الصباحية: كيف ستقضين وقتك اليوم بعد الدوام، هل ستذهبين إلى السوق لشراء ملابس العيد؟.. وماذا تفضلين ومن أي المحلات، وهل الأسعار غالية أو رخيصة؟ وما رأيك بالبالة؟ .. تلك هي أحاديثنا والسؤال الهام: ماذا ستطبخين (ما هو طبق اليوم)؟ فهو أول ما نتحدث عنه في يومياتنا، وحتى يوم الخميس تتساءل النسوة ماذا نطبخ غداً (الجمعة)، فترد عليها إحداهن: أنا لا أرغب بالطبخ يوم الجمعة وأفضل الطعام الجاهز لأشعر بالراحة، أما الثانية فتقول: إن زوجي يتمنى تناول أطيب المأكولات التي تحتاج إلى جهد كبير لأننا في يوم عطلة وأنا (فاضية) وما عندي دوام.

خرجت من هذه الدائرة الحكومية وقد تبين لي أن الجلسة الصباحية ليست فقط للنساء بل الرجال أيضاً يرغبون بها ويبادرون إلى تجهيز القهوة ليستمعوا إلى ما يمتع آذانهم ويجعل الابتسامة مرسومة على شفاههم لتنسيهم آلام الحياة ومشاكل الزوجة والأولاد. ويبدؤون الحديث عن الجمال والحياة (شو هالحلو يللي لابستيه، وشو هالجمال.. ايه شو بدو الواحد أحسن من أنه يشرب فنجان قهوة مع وجه حلو وابتسامة أحلى) رغم أن هذه المرأة التي يتصبح بها ويغازلها هي زوجة رجل آخر يتغزل بامرأة أخرى بمكان آخر، وفنجان قهوة آخر. فالرجال يستمتعون بفنجان القهوة الذي ترافقه امرأة جميلة أو غير جميلة، فالمهم أنها تبتسم له لتحلي المرار الموجود بفنجان القهوة.

وفي مكان آخر وجو آخر مختلف عن أجواء الدوائر والموظفين، قابلنا ابتسام التي قالت: أول شيء أراه في الصباح وابتسم له هو فنجان القهوة, فأنا ربة منزل ولا أرضى القيام بأي عمل في المنزل قبل أن أشرب ركوة كبيرة (تعبي الراس) ولا مانع لدي بأن أشربها لوحدي خلال نصف ساعة أعتبرها ملكي أنا، لأن الجلوس مع الجارات سوف يضيع الوقت.

مجموعة أخرى من النسوة لا يشربن القهوة إلا إذا اجتمعن في الصباح حيث تعتبر الجارة أخت وصديقة وحبيبة. تقول وداد: أنا أفرغ ما بداخلي من ضغط بسبب المشاكل مع الزوج وتعب الأولاد وكلام مزعج من حماتي. وتقاطعها م.ع لتقول: كل ذلك سهل مقابل تصرفات زوجي مع إخوته فهو يفضلهم عليّ وعلى الأولاد وذلك بتقديم المساعدات المادية، فهو أكثر من (الطائي) بكرمه ويعين من يطلب المساعدة رغم عدم حاجته لها علماً أن بيته يحتاج الكثير، ولكن خجله الدائم والزائد يُخرج من جيبه ما هو بحاجة إليه فيقدمه لأخوه الشاب والقادر على العمل أكثر منه.

وفي بيت آخر تشكو رشا تصرفات ابنها وتقول: أنا لا أستطيع معرفة كيفية التعامل مع ابني وهو في صف السابع، أي سن المراهقة ورفاقه في المدرسة أكبر سناً منه في الصف التاسع يتحدثون أمامه عن أفلام سيئة يشاهدونها بطرق مختلفة، ويسألونه إذا كان قد حضرها ومن حُسن حظي أنه لجأ إلي ليسألني ماذا (تعني هذه الأفلام وهل أستطيع أن أحضرها) وطبعاً هذه مشكلة كبيرة جداً بالنسبة لي.

وفي نفس الجلسة الصباحية تقول مياس بعد سؤالي لها إن كانت ترغب دائماً بهذه الجلسة، فقالت أتمنى ذلك ولكنني لا أتواجد في تلك الجلسات إلا مرة كل شهر أو شهرين، لأنني أفضل الجلوس مع أولادي في الصباح على الذهاب إلى الجيران. وطبعاً جلوسي مع أولادي لسماع مشاكلهم وقصصهم الطريفة أفضل من تناول القهوة مع الجيران. وهذا يعني أنني أتابع ابني واسمعه وهو ي قمة سعادته لأنني لا أسمح له بالتعبير عن مشاكله الصغيرة والطريفة.

وتقتحم تلك الجلسة وذلك الحديث إحداهن واسمها آمال وتقول: صبي لي قهوة، وهي قادمة تنضم إلى الجلسة لتشكو غيرتها الجنونية على زوجها، فهي تغار من إحدى السيدات وعمرها 60 سنة اتصلت بزوجها لتطلب منه تصليح تلفاز معطل عندها، ولكن لسانها كما تقول (بينقط عسل) وتحدثه بطريقة لطيفة جداً وعندما أرد عليها بالهاتف تحدثني بلطف ونعومة وترجوني أن أرسل لها زوجي.. كيف أفعل ذلك وأنا أغار لمجرد حديثها معه.

وطبعاً قاطعتها بالكلام سائلة إياها: ولماذا تتكلمين أنت بتلك الطريقة الجميلة واللسان الحلو حتى لا يرى أو يسمع غيرك. قالت: أنا ما فاضية يا دوب نحكي أنا وهو عن مشاكل الأولاد وثياب العيد والمدارس وأهلي وأهله.

وفي مدرسة ابتدائية التقيت بالمعلمة سميرة التي أخبرتني بأنها لا تشعر بمتعة القهوة إلا لوحدها ومع نفسها وعلى صوت فيروز.. فإذا استيقظ ابنها تنتهي جلستها الصباحية مع فنجان القهوة.

وفي جلسة صباحية قصيرة جداً أثناء الفرصة المدرسية تحدثت المعلمات عن الريجيم والأدوية التي تؤخذ لتخفيف الوزن، وما يضر منها وما يفيد. وتحدثت إحدى المعلمات عن أسئلة الأولاد التي لا تنتهي عن الخالق سبحانه وتعالى ويوم الحساب والجنة والنار، حيث تعجز بعض الأمهات عن الإجابة عن الأسئلة التي لا يعلمها إلا الله.

ونعود للجلسات المنزلية الصباحية مع بعض النسوة فكانت أهم الأحاديث تدور حول: السمنة وكيفية التخلص منها لكي تصبح أجسامهن رشيقة مثل بعض الفنانات وأنفلونزا الخنازير والإشاعات الكبيرة التي يتحدث بها الناس وأصبح كل من يموت وينتهي عمره لسبب ما فهو بنظر الناس مريض أنفلونزا، وربما تنهض إحداهن وتكون على إطلاع على الأخبار المحلية المؤكدة وتكذب تلك الإشاعة.

بذلك يكون فنجان القهوة الذي تسعى إليه معظم النسوة لتشربه مع المجموعة هو مفتاح لأبواب الهم والمشاكل ودون حلول فقط نتكلم ونتكلم ونستمع.. ونشرب القهوة التي تغطي بمرارها مرارة الأيام وقد أجمعت النسوة على أنهن يستمتعن وتستلذ كل واحدة بطعم القهوة مع الجماعة.. فهل الحديث عن الهم هو راحة للنفس؟؟ أم ماذا؟!